إدارة الزكاة بين ضغط الحاجة وتحديات التنظيم *

أربعاء, 04/01/2026 - 11:22
عبد الله أمانة الله

شهدت عملية تسجيل المستفيدين من الزكاة التي أعلن عنها المجلس الأعلى للزكاة حالة من التدافع والفوضى، انتهت بتوقيف العملية وتأجيلها. وبينما قد يبدو ما حدث حادثًا عرضيًا، فإنه في الواقع يكشف عن دلالات أعمق تتعلق بطبيعة الاحتياج الاجتماعي، وحدود التنظيم الإداري، وضرورة تطوير آليات هذا العمل.
فالمشهد لا يعكس خللًا تنظيميًا فحسب، بل يعبر بوضوح عن ارتفاع ملموس في مستوى الاحتياج لدى فئات واسعة من المجتمع. كما أن التدافع لم يكن عشوائيًا بقدر ما كان نتيجة خوف من ضياع فرصة الاستفادة، وهو ما يعكس ضعف الثقة في قدرة الآليات الحالية على ضمان وصول الدعم دون حضور مباشر. وفي الوقت نفسه، كشف ما جرى هشاشة في التنظيم، حيث لم يكن النظام مهيأً للتعامل مع كثافة الطلب.
ومن هذه التجربة تبرز دروس مهمة، أبرزها أن الأساليب التقليدية القائمة على الحضور المفتوح لم تعد صالحة. فاعتماد نظام مواعيد مسبقة، عبر الوسائط الرقمية أو الهاتفية، أصبح ضرورة، إلى جانب الاستفادة من خبرات العاملين الميدانيين في العمل الخيري. كما أن تحسين التواصل مع المواطنين، وتوضيح الإجراءات والمعايير بدقة، من شأنه الحد من التزاحم وسوء الفهم.
وفي سياق أوسع، تعيد الحادثة طرح سؤال مأسسة الزكاة وتنظيمها عبر جهة رسمية. فهذا التوجه يعزز العدالة والشفافية ويحد من الازدواجية، لكنه قد يصطدم بتعقيدات إدارية وبطبيعة الوعي الاجتماعي الذي لا يزال يميل إلى الأساليب التقليدية. لذلك، يبدو النموذج الأنسب هو الجمع بين التنظيم المؤسسي ومرونة المبادرات الفردية.
ويبقى دور المجلس الأعلى للزكاة محوريًا، لا باعتباره جهة توزيع فقط، بل كهيئة تنسيق وتخطيط تسعى إلى بناء سياسات أكثر استدامة، وتعزيز الثقة من خلال الشفافية وتبني أدوات حديثة في الإدارة.
أما بخصوص معايير الاستفادة، فإن الاعتماد على السجل الاجتماعي خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى تطوير مستمر، سواء عبر تحديث البيانات أو إتاحة وسائل تسجيل متعددة تراعي أوضاع الفئات الهشة، خاصة كبار السن والعاجزين. فالفقر واقع متغير، ولا يمكن ضبطه بأدوات جامدة.
في المحصلة، لا ينبغي النظر إلى ما حدث كإخفاق فقط، بل كفرصة لإعادة بناء منظومة أكثر كفاءة وعدالة، تضمن وصول الزكاة إلى مستحقيها في ظروف تحفظ الكرامة وتحقق مقاصدها.

بقلم: عبد الله أمانة الله - إعلامي موريتاني ناشط مجتمع مدني