‏المرحلة الثانية من اتفاق غزة… وسيناريوهات التعامل *

ثلاثاء, 12/23/2025 - 19:25

تشهد حرب غزة حالة تجميد مؤقت لا ترقى إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار، في ظل إدارة إسرائيلية للتهدئة بوصفها أداة سياسية وأمنية، لا مدخلًا حقيقيًا لإنهاء العدوان.

‏هذا النمط من “التهدئة المُدارة” يعكس سلوكًا إسرائيليًا تقليديًا يقوم على التحكم بإيقاع الصراع بدل حسمه.

‏هذا الواقع يضع المرحلة الثانية من الاتفاق في قلب الصراع، ليس باعتبارها خطوة إجرائية، بل بوصفها ساحة اختبار لإرادات متعارضة محليًا وإقليميًا ودوليًا، تتجاوز غزة إلى مجمل توازنات المنطقة.

‏فلسطينيًا، يُنظر إلى المرحلة الثانية باعتبارها استحقاقًا إنسانيًا وسياسيًا ملحًّا، يهدف إلى وقف العدوان نهائيًا، وفتح مسار التعافي من حرب إبادة خلّفت دمارًا شاملًا في البنية المجتمعية والعمرانية، وأرهقت المجتمع الفلسطيني إلى حدود قصوى.

‏ومن هذا المنطلق، لا تُعد المرحلة الثانية ورقة تفاوض أو مقايضة، بل مطلب فلسطيني لوقف الاباده والذهاب للتعافي والاعمار.
‏في المقابل، يتعامل الاحتلال مع المرحلة الثانية بمنطق مغاير؛ إذ يسعى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى إعادة تعريفها وفق شروطه الخاصة، بما يسمح له بإدارة نتائج الحرب بدل إنهائها.
‏ويرتبط هذا التوجه مباشرة بأزمته الداخلية العميقة، وبمحاولاته المستمرة للهروب إلى الأمام عبر إبقاء أدوات الضغط قائمة على غزة، أو نقل مركز الصراع إلى ساحات أخرى عند الحاجة، بدل الالتزام باستحقاقات التهدئة.

‏أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع غزة ضمن مقاربة إدارية–اقتصادية–أمنية، منزوعة عن أي مضمون وطني فلسطيني. تركز هذه المقاربة على ما تسميه “الاستقرار الوظيفي” ومنع الانفجار، لا على معالجة جذور الصراع أو إنهاء الاحتلال، ما يفتح الباب أمام مشاريع لإدارة القطاع تتجاهل مسألة السيادة والحقوق الوطنية، وتحول غزة إلى ملف أمني واقتصادي قابل للإدارة، لا قضية شعب تحت الاحتلال.

‏الوسطاء، ورغم تمسكهم بنصوص الاتفاق، يفتقرون عمليًا إلى أدوات الإلزام والضمان، ويقتصر دورهم على إدارة الوقت وتخفيف التوتر، دون قدرة حقيقية على فرض تنفيذ المرحلة الثانية أو منع الالتفاف عليها، الأمر الذي يجعل الاتفاق هشًا وقابلًا للتآكل تحت ضغط الابتزاز الإسرائيلي المستمر، وصفاه الدائم.

‏سيناريو توسيع الحرب: لبنان وإيران

‏في هذا السياق، يبرز سيناريو توسيع دائرة الحرب باتجاه لبنان أو إيران كأحد خيارات الهروب الإسرائيلية من استحقاقات المرحلة الثانية. فالتصعيد المحتمل مع حزب الله، أو رفع منسوب التهديد والمواجهة مع إيران، يُستخدم كورقة ضغط سياسية وأمنية، تتيح للاحتلال إعادة خلط الأوراق الإقليمية، وتأجيل أي التزام حقيقي بإنهاء الحرب على غزة.

‏هذا السيناريو لا ينطلق من ضرورة أمنية بقدر ما يعكس حسابات سياسية داخلية، ورغبة في تدوير الصراع بدل إغلاقه، حتى لو كان الثمن انفجارًا إقليميًا واسعًا.

‏خلاصة

‏خلاصة المشهد أن المرحلة الثانية تحولت من مسار تهدئة إلى ساحة صراع سياسي مفتوح. ففي الوقت الذي يسعى فيه الفلسطينيون إلى التعافي وبناء الحد الأدنى من الاستقرار والحياة، يتعامل الاحتلال مع الحرب كمشروع دائم لإدارة أزماته الداخلية والإقليمية.

‏ وعليه، فإن المعركة اليوم ليست فقط على تنفيذ مرحلة من اتفاق، بل على تعريف نهاية الحرب نفسها: هل تكون نهاية تفتح أفقًا للمستقبل، أم محطة جديدة في مسار ابتزاز وصراع طويل الأمد.

* ‏د. إياد إبراهيم القرا
كاتب فلسطيني من غزة