
في نوفمبر 2018، منحت موريتانيا عقد امتياز لشركة "أفروبورت موريتانيا" وهي شركة إماراتية، تتولى بموجبه تشغيل وإدارة مطار نواكشوط أم التونسي الدولي، واستُبعدت عن هذه المهمة الحساسة شركة مطارات موريتانيا، الرسمية السابقة.
تشمل مسؤوليات أفروبورت إدارة العمليات الجوية والأرضية وخدمات مناولة الركاب والأمتعة والشحن وتطوير الامتيازات التجارية داخل المطار وإدارة الصالات.
في الأعراف الاستراتيجية، تُصنف المطارات والموانئ بنى تحتية حرجة تمثل بوابات السيادة للدولة، وتحليل مخاطر إسناد إدارة مطار دولي ومحوري في موريتانيا مثل مطار نواكشوط الدولي إلى شركة أجنبية يتجاوز الأبعاد الاقتصادية والعمالية ويمس بشكل مباشر صلب الأمن القومي.
تتنوع مخاطر هذا الأمر من زوايا جيوسياسية وأمنية واستخباراتية، ويمكن إجمالها في العناوين الآتية:
أولا: مخاطر السيطرة على البيانات وختراق الخصوصية المعلوماتية
ليس المطار مجرد مدرج وصالة ركاب. المطارات شبكة معلوماتية ضخمة، وإذا تولت شركة أجنبية إدارة هذه الشبكة فإن ذلك قد يمنحها القدرة التقنية على الوصول إلى بيانات حركة السفر كقوائم المسافرين وهويات الشخصيات رفيعة المستوى من مسؤولين وقادة عسكريين وأمنيين ومعرفة وجهاتهم وتوقيتات تحركاتهم.
كما تتيح إدارة المطارات لأصحابها الاطلاع على بيانات الشحن الجوي، كالبضائع والمنقولات الواردة والصادرة من البلاد وإليها، وقد يشمل ذلك الشحنات الحساسة أو التجهيزات ذات الطابع السيادي.
وتسطيع الشركات التي تدير المطارات التحكم في الأنظمة الرقمية وشبكات المطار الداخلية، وهو ما يثير مخاوف الأمن السيبراني وإمكانية التعرض للتجسس أو تسريب البيانات لأطراف ثالثة حليفة للشركة الأم، سواء دولا أو أجهزة استخبارات أجنبية.
ثانيا: ارتهان إرادة البلد السياسية والجيوسياسية
تقع موريتانيا في إقليم مشتعل بالحروب والأزمات. وعندما تتحكم شركة تابعة لدولة أخرى أو ذات ارتباطات إقليمية في المرفق الجوي الرئيسي للدولة، فإن القرار السيادي قد يصبح رهينا للتجاذبات السياسية.
على سبيل المثال: في أوقات الأزمات الدبلوماسية أو الحروب الإقليمية، يمكن أن تُستخدم إدارة المطار كأداة ضغط غير مباشرة على الحكومات من خلال إبطاء العمليات أو افتعال أزمات تشغيلية أو التهديد بالانسحاب المفاجئ لشل حركة الطيران.
كذلك قد تتقاطع مصالح الشركة الأم مع أجندات سياسية أو أمنية في منطقة غرب إفريقيا والساحل لا تتوافق بالضرورة مع المصلحة العليا لموريتانيا، مما قد يفرض قيودا غير معلنة على استخدام المطار.
ثالثا: ثغرات المراقبة الميدانية والحدودية
رغم أن وظائف الأمن المباشر والجوازات والجمارك تظل قانونيا وسياديا بيد الأجهزة الأمنية كالشرطة والدرك والجمارك، فإن إدارة الشركة الأجنبية للمناولة الأرضية والخدمات اللوجستية تخلق مناطق رمادية مقلقة أمنيا، مثل التحكم في نقاط الوصول لكون الشركة تمنح تصاريح الدخول للمناطق الحساسة في المطار لموظفيها وعمالها وهذا يسهل اختراق هذه المناطق من قِبل عناصر غير مصرح لها أو تابعة لجهات خارجية.
من الأمور المقلقة أيضا احتمال تمرير الممنوعات واستغلال الثغرات الجمركية عبر اعتماد الشركات المسيرة للمطارات على أطقم عمل تابعة لها في عمليات شحن وتفريغ الطائرات ومراقبة الأمتعة، وهذا يزيد من مخاطر تهريب الأسلحة والأموال والذهب والمخدرات، خاصة إذا ما ضعفت آليات الرقابة والتدقيق الرسمية فوق سلطة الشركة.
رابعا: التهديد الاستراتيجي للبلد في حالات الطوارئ والحروب
وفي حالات الاضطرابات الأمنية الكبرى أو الكوارث الطبيعية أو الحروب، تحتاج الدولة إلى السيطرة المطلقة والفورية على أجوائها ومطاراتها لتسهيل تحركات الجيش أو استقبال المساعدات العسكرية أو إجلاء الرعايا، لكن وجود إدارة أجنبية للمطار قد يعيق لوجستيا سرعة استجابة الجيش الموريتاني، أو يؤدي إلى تسريب خطط الانتشار والتحركات العسكرية الجوية.
وبالنظر إلى أن المطار يعتمد على أنظمة تشغيل وصيانة وتوريد لقطع الغيار تديرها الشركة المسيرة، فإن أي قرار بوقف التشغيل من طرفها لأسباب أمنية أو لوجستية تخصها قد يشل أو يضعف القدرة العسكرية واللوجستية للدولة في وقت السلم والحروب.
أخيرا
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في هوية الشركة التي تدير مطار نواكشوط وإنما في صيغة عقد الامتياز الذي منح لها ومدى قدرة الدولة الموريتانية على فرض سلطة رقابية صارمة فوق الإدارة التجارية للشركة ، لضمان ألا يتحول الاستثمار الاقتصادي إلى ثغرة في جدار السيادة الوطنية.
وأرجو ألا يكون الخرق قد اتسع على الراقع.
* مولاي عبد الله مولاي أحمد / أكاديمي وإعلامي موريتاني
.jpg)