
تابع الموريتانيون خلال الأيام العشرة الماضية تفاصيل الزيارة الرئاسية الهامة التي قام بها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني إلى ولاية الحوض الشرقي، وهي زيارة حملت زخمًا استثنائيًا استحوذ على اهتمام المواطنين، ليس في الولاية المعنية فحسب، بل في جميع ولايات الوطن وحتى داخل الجاليات بالخارج. وتميّزت هذه الزيارة عن أنماط الزيارات الرئاسية التقليدية التي عرفتها البلاد في مراحل سابقة، إذ جاءت محمّلة برسائل الأمل والطمأنينة، ومفعمة برؤية تنموية واسعة تعكس حجم الاهتمام بالولاية وسكانها وما ينتظرها من مكاسب وطنية كبرى.
وقد جاءت هذه الزيارة في سياق إطلاق برنامج وطني شامل لتنمية مقاطعات الداخل، يهدف إلى معالجة التفاوت التنموي وتعزيز حضور الدولة في المناطق الأكثر احتياجًا. ويرتكز هذا البرنامج على مقاربة تنموية متكاملة تشمل تطوير البنى التحتية والخدمات الأساسية، وتوجيه الاستثمارات نحو المشاريع التي تترك أثرًا مباشرًا في تحسين حياة المواطنين. وقد أكد الرئيس خلال محطاته المختلفة أن هذا التوجه يمثل التزامًا ثابتًا تجاه سكان الداخل، وأن الجهود ستتواصل حتى تتحقق نتائج ملموسة تعيد الاعتبار للولايات الداخلية وتفتح لها آفاقًا جديدة للتنمية.
وفي هذا الإطار، أعلن فخامة الرئيس عن حزمة مشاريع تنموية واسعة تشمل إنشاء مبانٍ مدرسية جديدة، وحفر الآبار وبناء السدود لضمان الأمن المائي، إضافة إلى تعبيد الطرق لفك العزلة عن العديد من القرى والتجمعات السكانية، وإنشاء مراكز صحية وتوسيع شبكات المياه والكهرباء. كما يشمل البرنامج دعمًا موجهًا للشباب والنساء لتعزيز مشاركتهم الاقتصادية، إلى جانب مشاريع لتعزيز التنمية الحيوانية وتطوير الزراعة، بما يسهم في خلق فرص عمل وتحسين الدخل وتعزيز الأمن الغذائي في الولاية.
وقد شكلت هذه الزيارة فرصة عبّر خلالها الرئيس عن جملة من المواقف والالتزامات التي تجسّد توجه الدولة نحو تعزيز حضورها الميداني وخدمة المواطن في عمق الوطن. فقد أكد الرئيس أهمية الاطلاع المباشر على أوضاع المواطنين، حيث عقد لقاءات موسعة في جميع مقاطعات الولاية: النعمة، وولاتة، وباسكنو، واظهر، وتمبدغة، وعدل بكرو، وآمرج، وجكني. وكانت تلك اللقاءات فضاءً تفاعليًا مفتوحًا نُقلت خلاله انشغالات السكان، واستمع الرئيس لهمومهم بكل وضوح.
وفي خضم هذه اللقاءات، حرص الرئيس على حث المواطنين على الابتعاد عن الشائعات المتعلقة بترشيح أشخاص أو تداول أسماء خارج سياقها السياسي والوطني. وأكد أن الانشغال بمثل هذه الشائعات مضيعة للوقت وتشتيت للجهد الوطني، مشيرًا إلى أن الأولوية يجب أن تكون منصبة على تنمية البلد، ومواكبة البرامج والمشاريع التي تنفذها الدولة، والحرص على خدمة المواطن. واعتبر أن التركيز على العمل والإنجاز هو معيار النجاح، وأن التاريخ لا يخلّد الأقوال بل يسجل ما يُنجز على أرض الواقع.
وفي سياق أعمق، دعا فخامة الرئيس إلى طرح أسئلة سياسية جوهرية تتعلق بمستقبل الحكم المحلي والتمثيل السياسي، معتبرًا أن التفكير في كيفية إنجاز حوار سياسي واجتماعي جاد، وضمان أعلى درجات الشفافية في أي استحقاقات انتخابية مقبلة، هو نقاش أكثر فائدة للوطن من الانجرار وراء الشائعات. كما دعا إلى التأمل في ما إذا كانت صلاحيات البلديات والمجالس الجهوية بحاجة إلى مراجعة، أو ما إذا كانت البلاد بحاجة إلى غرفة برلمانية ثانية، معتبرًا أن مثل هذه الأسئلة الاستراتيجية هي التي تحدد مستقبل الدولة وتضمن فعالية أدائها المؤسسي.
كما طمأن رئيس الجمهورية سكان هذه الولاية الحدودية على أن أمنهم في أيدٍ أمينة، مبرزًا الدور الوطني الكبير الذي يضطلع به الجيش وقوات الأمن في حماية المواطنين والحوزة الترابية، مدعومين بتجهيزات حديثة وخبرة ميدانية رفيعة تضمن أداء مهامهم بأعلى درجات الجاهزية.
وفي محور التنمية البشرية، شدد الرئيس على أهمية التعليم باعتباره ركيزة لبناء جيل قادر على الإبداع والعمل والنهوض بالوطن. وأكد أن المدرسة الجمهورية تمثل حجر الزاوية في تعزيز المساواة بين أبناء الوطن وتكافؤ الفرص، بما يتيح تكوين أجيال متعلمة تمتلك القدرة على المساهمة في بناء الدولة الحديثة.
كما جدد الرئيس التزامه الصارم بمحاربة الفساد، موضحًا أن لا حماية لأي شخص مهما كانت مكانته إذا ثبت تورطه في ملفات فساد أو سوء تسيير. وأكد على الاستقلالية التامة للهيئات الرقابية والقضاء في القيام بمهامهما، حرصًا على تعزيز الشفافية وترسيخ ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
ومن منطلق الحرص على وحدة المجتمع وتماسكه، دعا الرئيس إلى نبذ القبلية والجهوية بكل أشكالها، مشددًا على حظر مشاركة الموظفين في الاجتماعات ذات الطابع القبلي، ومتوعدًا خطابات التطرف والعنصرية والفئوية بالمواجهة عبر القنوات القانونية والمؤسساتية، حفاظًا على الانسجام الاجتماعي.
أما أهم محور توقف عنده الرئيس، فكان ترسيخ مفهوم المواطنة وخدمة الوطن، مستشهدًا بما يقدمه أفراد الجيش وقوات الأمن من تضحيات جسيمة بالنفس والوقت والبعد عن الأهل، دفاعًا عن البلاد وحماية لأمنها واستقرارها. وهو النموذج الذي دعا الرئيس الجميع إلى استلهامه باعتباره التعبير الأسمى عن الانتماء الوطني وروح التضحية من أجل موريتانيا.
لقد حملت هذه الزيارة للمواطنين في ربوع الوطن جوا مطمئنا على حاضر البلد ومستقبله، فلم تكن محط اهتمام سكان الولاية فحسب بل تابعها الجميع وواكبها لما حملته من رسائل تعبر عن طموح المواطن الموريتاني وأمله في تحقق النهضة الاقتصادية والتنموية والاجتماعية، والقضاء على الفساد وسوء التسيير وبناء بلد يقوم على العدل والإنصاف والمساواة، وإعطاء المواطنة نصيبها من الاهتمام وفتح آفاق أمام الأجيال القادمة، لذا مثلت بؤرة اهتمام كل موريتاني غيور تابع خلالها مباشرة أو عبر الشاشات خطابا صادقا من القلب إلى القلب.
#زيارة_الحوض_الشرقي
#زيارة_تاريخية
.jpg)